الأربعاء، 7 مارس 2012

إدارة الوقت




تحدثنا في الجزء الأول من المقال عن المراحل الثلاث التي ينبغي التمسك بها، وعدم الحياد عن سبيلها، بغية تحقيق الالتزام الجاد بإدارة الوقت، ثم السيطرة المحكمة على مورد الوقت الذي يعد من دون منازع أثمن موارد البشرية كلّها.


أما مسميات المراحل التي سبق التفصيل في جزئياتها، فهي: 
المرحلة الأولى: الإيمان.
المرحلة الثانية: العزيمة.
المرحلة الثالثة: المعرفة.  
عزيزي القارئ.. 
استكمالاً لما بدأناه.. نعرض فيما يأتي للمرحلة الرابعة المتممة للمراحل الكفيلة بقيادة سفينة الوقت نحو ميناء التميز بإذن الله تعالى. 


المرحلة الرابعة: التطبيق 
تشتمل هذه المرحلة على أربع خطوات فرعية، نوضحها فيما يأتي:  
1. التحليل
هذا يتطلب منك القيام بتحليل أسلوبك الحالي الذي تنتهجه في قضاء الوقت؛ لتعرف أين يذهب وقتك، وما هي طبيعة النشاطات التي تستنزف هذا الوقت.
إن خطوة التحليل تشابه في أهميتها خطوة التشخيص التي يقوم بها الطبيب بحق المريض الذي يراجعه, إذ إنها خطوة تسبق البدء بالعلاج الفعلي, فإذا وفق الطبيب في تشخيص سبب معاناة المريض بشكل سليم وصحيح، عندها سيكون قد قطع نصف الطريق نحو الاتجاه الصحيح. 
إن الشيء نفسه يقال بشأن تحليل وتشخيص الأسباب المؤدية إلى سوء إدارتنا لأوقاتنا، ذلك أن عدم تشخيص تلك الأسباب بشكل دقيق، ربما يقودنا إلى معالجة الأعراض فقط، التي ستختفي لمدة معينة من الزمن ثم تعاود الظهور مرة أخرى, وبالتالي يكون تصرفنا كتصرف الطبيب الذي راجعه مريض يشكو من ارتفاع درجة الحرارة، فأعطاه بضع حبات من دواء (Panadol)، فاختفت الحرارة المرتفعة لعدة أيام، ولكن بمجرد أن توقف المريض عن تناول الحبوب المسكنة، عادت الحرارة إلى الارتفاع مجدداً. 
إن خطأ الطبيب هنا يكمن في كونه قد عالج العارض وأهمل السبب الفعلي للمرض، الذي ظلّ على حاله, والذي ربما كان يستدعي تناول المريض لمضاد حيوي معين، أو الدخول إلى المستشفى للبقاء تحت الرقابة الطبية المباشرة مدة من الزمن. 
من هنا تكتسب خطوة التحليل أهميتها على طريق التطبيق الفعلي لمفاهيم ونظريات إدارة الوقت, خصوصاً وأن تحديد النشاطات التي تستنزف أوقاتنا، والسلبيات التي تتداخل فيها، تعدّ عملية شائكة لكون تلك السلبيات قد تعود في أصلها إلى أسباب شخصية أو وظيفية أو اجتماعية أو بيئية, مما يحتم القيام بالتشخيص الدقيق, علماً بأن بعض مشاكل إدارة الوقت تكون كجبل الجليد الذي يظهر (25 %) من حجمه فوق سطح البحر، بينما يختفي الجزء المتبقي المعبر عن (75 %) من الجبل تحت مستوى سطح البحر, الأمر الذي يوجب التعمق في التحليل، والدراية التامّة في التشخيص، كي يكون الانتقال إلى الخطوة الثانية المتمثلة بالتخطيط لبناء جديد، انتقالاً مأموناً بعيداً عن المفاجآت غير السارّة.


2. التخطيط لبناء جديد
وهنا تبدأ بصياغة مختلفة لحياتك تستند إلى وضع خطة محكمة لوقتك سواء أكانت يومية أو أسبوعية أو شهرية، تحدد فيها النشاطات التي تريد القيام بها، والهدف من كل نشاط، والوقت اللازم لتأديته مع مراعاة العلاقة الاعتمادية بين تلك النشاطات. 
إن الخطة الموضوعة يجب أن تكون متسمة بالعقلانية، بمعنى كونها واقعية، وقابلة للتطبيق على المسرح الفعلي للحياة، ومتوائمة مع الظروف المعيشية، من حيث الواقع الأسري والوظيفي والبيئي المحيط بالإنسان, وفي الوقت نفسه ينبغي أن تتمتع بقدر من المرونة، بمعنى إمكانية إجراء التعديلات اللازمة عليها عند الضرورة، تبعاً لمقتضى الحاجة الآنية أثناء عملية التنفيذ. 
وعند صياغة الخطة، لا بأس من استشارة أهل العلم والمعرفة في مجال رسم خطط إدارة الوقت, ولكن في المحصلة النهائية يجب أن تكون الخطة موضوعة من قبل صاحب الشأن نفسه الذي سيقوم بتطبيقها ميدانياً, وذلك لسببين، أولهما: أن الخطط التي تفرض علينا من قبل أشخاص آخرين، تكون قاصرة عن التعامل مع جزئيات نفسيتنا الدقيقة, وثانيهما: وهو سبب ذو بعد سيكولوجي، مفاده أن الإنسان يكون أقوى التزاماً، وأكثر تمسكاً بالخطط والمفاهيم والأفكار التي يضعها لنفسه، عندما يكون قد بذل جهداً شخصياً في صياغتها وتنظيمها، وترتيب أولوياتها.


3. التنفيذ الفعلي
في هذه الخطوة ينزل الإنسان بخطته إلى واقع حياته الفعلي، ويبدأ بتطبيق جميع التفصيلات التي اشتملت عليها الخطة، من حيث تحديد عوامل توفير الوقت التي ينبغي تعظيمها، وتشخيص عوامل تضييع الوقت التي يجب معالجتها والقضاء عليها, مع القيام بجميع النشطات الهادفة تبعاً لأولوية ورودها في الخطة المرسومة, وتجنب الأعمال والسلوكيات العقيمة الفائدة، التي تستنزف مورد الوقت من دون أي عائد.. وكل ذلك يجب أن يكون مثبتاً بأسلوب علمي وواضح ضمن الخطة التي تحددت ملامحها في الخطوة الثانية المذكورة آنفاً.


4. المتابعة وإعادة التحليل
مهما كانت الخطة جيدة ورصينة فإنها لن تنجح إذا لم يتم التعرف إلى النتائج والمشكلات التي قد تعاني منها أثناء التطبيق، وذلك بهدف إجراء التعديلات اللازمة والضرورية عليها, وهنا تبرز مركزية المرونة التي أشرنا إلى أهميتها ضمن الخطوة الثانية من المرحلة الرابعة. 
وجدير القول إن هذه الخطوة تشتمل على خطوتين فرعيتين، مركبتين مع بعضهما, إذ أن المتابعة تأتي أولاً، ثم يعقبها إعادة التحليل، الذي يعدّ عودة للخطوة الأولى (التحليل), وهنا تتضح أهمية التغذية العكسية التي تتولى نقل الرسائل الإيجابية والسلبية المتعلقة بالتنفيذ الواقعي للخطة المرسومة. 
وهنا نؤكد على نقطة مهمة جداً مفادها أن خطوة المتابعة وإعادة التحليل، تحتاج إلى معرفة إدارية مناسبة، مدعمّة بقدرات فنية ملائمة، كي يتمكن الإنسان من تحديد آثار الخطة التي قام بتنفيذها، ليقرر بعدها الاستمرار في عملية التنفيذ، أو يدرك أن هناك حاجة فعلية للعودة إلى خطوة التحليل الأولى.


ختاماً.. نود أن نؤكد على أهمية التتابع، والتكامل في المراحل الأربع (الإيمان، والعزيمة، والمعرفة، والتطبيق)، فضلاً عن التتابع والتكامل كذلك في الخطوات الأربع الواردة ضمن المرحلة الرابعة (التحليل، والتخطيط لبناء جديد، والتنفيذ الفعلي، والمتابعة وإعادة التحليل), ومن الله التوفيق وسداد السبيل.

المصدر: smart-ideas  د. راكان الراوي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

السوس المالي

  اصبح قوة المــــال هـــو الأساس في مثانـــة العلاقات الأسريـــــة،   كباقي اي مشروع من مشاريع الدول او الشركات الفاسدة ، يحكمها المال، إ...